الشيخ محمد رفعت.. حكاية الصوت الملائكي

طباعة

الأربعاء , 09 مايو 2018 - 01:09 مساءٍ

 الشيخ محمد رفعت
 الشيخ محمد رفعت

"ولا يزال المرحوم الشيخ رفعت أجمل الأصوات وأروعها، وسر جمال وجلال صوت الشيخ رفعت أنه فريد في معدنه، وأن هذا الصوت قادر على أن يرفعك إلى مستوى الآيات ومعانيها، ثم إنه ليس كمثل أي صوت آخر".. كلمات قالها الكاتب الراحل أنيس منصور في وصف قارئ القرآن الكريم الراحل الشيخ محمد رفعت، أو “قيثارة السماء” كما أطلق عليه.

 

فتميز رفعت، بحنجرته الذهبية وصوته الملائكي الذي يلامس قلوب المستمعين، فتتأثر أرواحهم به لتدخل في حالة من الانسجام مع كلام الله، حتي قيل إنه سيد قراء زمانه وأنه بصوته يأسر و يسحر النفوس.

 

 الشيخ محمد رفعت

 

ولد محمد رفعت بحي المغربلين بالقاهرة وكان جميلا جدا عند ولادته حتي وصفته إحدي السيدات بقولها " له عيون ملوك "، ففقد بصره في الثانية من عمره نتيجة مرض أصاب عينيه.

 

 التحق بكتاب مسجد فاضل باشا بدرب الجماميز بالسيدة زينب، وأتم حفظ القرآن وهو في الخامسة من عمره، ودرس علم القراءات وعلم التفسير ثم المقامات الموسيقية.

 

توفي والده الذي كان يعمل مأمورا لقسم الخليفة، ليجد الطفل ذو التسع سنوات نفسه يتيماً وعائلاً وحيدا لأسرته، فلعبت وفاة والده وهو في سن مبكرة دورا في دخوله عالم قراء القرآن الكريم، فتولي القراءة بمسجد فاضل باشا بحي السيدة زينب عام 1918م. 

 

 ذاع صيته بين الناس، ولمع نجمه في وجدان الجماهير، لدرجة أن المسجد كان يضيق بالمصلين، فقد كان صوته رخيما ورناناً، وكان الشيخ يبدأ قراءته بصوت خفيض ثم لا يلبث أن ينتقل تدريجيا ليصبح عاليا يمس القلب و يتملكه في استشعار لآي الذكر الحكيم.

 

وفي عام 1934م، افتتحت الإذاعة المصرية بثها بتلاوة مباركة بصوت الشيخ محمد رفعت فاستهلها بأيات من سورة الفتح "إنا فتحنا لك فتحا مبينا”، وذلك بعد أن استفتي شيخ الأزهر في جواز إذاعة القرآن الكريم فأفتي له بجواز ذلك، ثم تعاقدت معه الإذاعة، فكان ينتظره جمهوره العريض من المسلمين حول العالم يوميا للإستماع إليه.

 

 

 

ولما انتشرت شهرته وجمال صوته أرسلت الإذاعة البريطانية بي بي سي تطلب من الشيخ تسجيل القرآن بصوته، فرفض في بادئ الأمر ظنا منه أنه حرام لأنهم غير مسلمين، واستفتي الإمام المراغي فشرح له الأمر و أفتاه بجواز ذلك فسجل لهم سورة مريم.

 

و سر تفرد الشيخ محمد رفعت “أنه كان ممتلئا تصديقا و إيمانا بما يقرأ” كما قال الكاتب محمود السعدني، فتميزت  قرائته بالتجسيد للمعاني الظاهرة للقرآن الكريم بحيث يتأثر المستمع المتدبر و يتفهم بواطن الأمور ويعايش الأيات بكل جوارحه لا بأذنه فقط.

 

أضافت دراسته للمقامات الموسيقية رونقا إلي عذوبة صوته، فكان يستطيع أن ينتقل بين المقامات الموسيقية دون أن يشعرك بالإختلاف، كما اهتم بمخارج الحروف كي يجسد بقراءته المعني الحقيقي ليصل إلي قلوب الناس، وهو أول من أقاموا مدرسة للتجويد الفرقاني بمصر .

 

اشتهر عن الشيخ محمد رفعت أنه كان رحيما ذا قلب رقيق عطوفا علي الفقراء حتي أنه كان يطمئن علي فرسه كل يوم ويوصي بإطعامه.

 

وحرص الشيخ محمد رفعت علي الابتعاد عن التقارب مع رجال السلطة حتي أنه رفض إحياء ذكري الملك فؤاد في اتفالية خاصة يحضرها كبار رجال السياسة في قصر عابدين،مفضلا إحياء ذكري الملك فؤاد علي مستوي أسرته.

 

 الشيخ محمد رفعت

 

ويقول الشيخ عمرعبد الكافي في أحد لقاءاته أن الملك فاروق دخل يومًا إلى السرادق الذي كان يقرأ فيه الشيخ رفعت بجوار قصر عابدين، وتصادفت تلاوته للآية الكريمة: "إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة"، فمنع الملك فاروق الشيخ رفعت أن يقرأ في الإذاعة المصرية، وكان ذلك سبب سوء جودة تسجيلاته فيما بعد، حيث كانت تُسجل خارج استديوهات الإذاعة.

 

وفي عام 1943م، أصيب “رفعت”  بسرطان الحنجرة الأمر الذي تسبب في توقفه عن القراءة، إلا أنه أعتذر عن قبول أي مساعدة من الملوك والرؤساء، رغم عدم مقدرته علي تكاليف العلاج ، وكانت عبارته الشهيرة " إن قارئ القرآن لا يهان " .

 

ونعته الإذاعة المصرية عن رحيله، بقولها "أيها المسلمون، فقدنا اليوم عَلَمًا من أعلام الإسلام"، أما الإذاعة السورية فجاء النعي على لسان المفتي قائلا: "لقد مات المقرئ الذي وهب صوته للإسلام ".

 

 ومن المفارقات العجيبة أن الشيخ محمد رفعت ولد وتوفي بنفس اليوم، فولد في 9 مايو 1882م ورحل عن عالمنا في 9 مايو 1950 بعد حياة حافلة بخدمة القرآن الكريم تاركا إرثا لا يزال باقيا إلي اليوم يحمل إسمه و تتوارثه الأجيال و بقت حياته و سيرته أنموذجا يقتدي به العديد من طلبة العلم و قراء القرآن الكريم.

 

اقرأ أيضا:

 

حكاية فندق "ريتز كارلتون".. من القمة العربية لـ الاحتفال بالنكبة

 

  • درجات الحرارة
    • 22 - 36 °C

    • سرعه الرياح :22.53
    اسعار العملات
    • دولار أمريكى :
    • يورو :
    • ريال سعودي :
  • هل ترى أن خروج الفراعنة من المونديال "مشرف"؟

    نعم
    14.285714285714%
    لا
    85.714285714286%